محمد غازي عرابي

773

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 44 ] خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 ) [ العنكبوت : 44 ] قوله : بِالْحَقِّ أي محق ، واللّه جعل سماء المعقولات وأرض العيان آية ، فمن شهد هذه الآية فهو مؤمن ، وتعريف الإيمان التسليم للّه خالق كل شيء ومصور كل شيء . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 45 ] اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 ) [ العنكبوت : 45 ] حقيقة الصلاة إقامتها ، وإقامة الصلاة تحقيق الصلة بين الإنسان واللّه والوصول إلى مقام العبودة حيث الإنسان عبد ماله من الأمر شيء قائم باللّه . والفحشاء والمنكر النظر إلى غير اللّه في عالمه ، وإقامة الصلاة تنهى النفس عن مد العينين إلى غير اللّه ، فإذا تحقق هذا تحقق المحقق أن اللّه أكبر ، أي أكبر من كل شيء ، لأنه شيئية كل شيء وقيوميته وصيرورته ووجوده وزواله ، ولهذا كان شعار الأذان اللّه أكبر ، وكان ترديد هذا الشعار كثيرا في الصلاة وبخاصة عند الركوع والسجود والجلوس ، ثم التسبيح للّه العظيم والتسبيح للّه الأعلى ، وكل هذا إشارة إلى الجمع الدال على الذات العظمى التي انضوى تحتها الوجود بشقيه العيني والعياني . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 46 ] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) [ العنكبوت : 46 ] الآية من المحكمات وهي تكشف أن الدين عند اللّه الإسلام ، أي التسليم للّه ، فإذا حقق هذا تابع أي دين كان مسلما ، بل إن الأمر ليتجاوز أتباع الأديان إلى الناس جميعا عاصيين ومهتدين ، إذ أن اللّه بكل شيء محيط ، وإحاطته تامة محكمة ما دام الوجود له ومن خلقه . فالإسلام تعريفا شهود اللّه في الخلق والتسليم يهذا الشهود . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 47 ] وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ ( 47 ) [ العنكبوت : 47 ] الدين تقليدي وتحقيقي ، والتقليدي هو الذي وصفه رسول اللّه قائلا : يولد الإنسان على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه ، ولهذا ترى ابن اليهودي يهوديا وابن النصراني نصرانيا ، ونادرا ما يخرج الإنسان عن دينه ليعتنق دينا آخر ، والتعصب صفة الدين التقليدي ، والحروب دائمة بين الطوائف الدينية وأتباع الأديان نفسها حتى يومنا هذا وإلى آخر الزمان ، والدين